النويري

59

نهاية الأرب في فنون الأدب

فمدّت الزبانية السلاسل ، وجعلت السحابة ترمى بشرر كالجبال ، وخرجت عليهم من واد يقال له : ( وادى الغيث ) فنظروا إليها فقال بعضهم لبعض : * ( هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ) * قال اللَّه تعالى : * ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِه رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها ) * . وأخرج القوم أصنامهم ونصبوها على أسرتها ؛ فأمر اللَّه تعالى خازن الريح العقيم أن يفتح بعض أطباقها ، فانطلقت ناشرة أجنحتها بعدد قبائل عاد ؛ فلمّا عاينوا الملائكة يطوفون حول السحاب تيقّنوا العذاب ، فأدخلوا النساء والولدان في الحصون وخرجوا ونشروا أعلامهم وأوتروا قسيّهم ، وأفرغوا السهام بين أيديهم ، والرياح ساكنة تنتظر أمر ربّها ، وهود قائم ينذرهم العذاب ، وهم يقولون : ستعلم يا هود من أشدّ منا قوّة وبطشا . حتى إذا كانت صبيحة الأربعاء ، خرجت الريح عليهم في يوم نحس مستمرّ ، فكانت في اليوم الأوّل شهباء ، فلم تترك على وجه الأرض شيئا إلَّا نسفته نسفا ؛ وفى اليوم الثاني صفراء ، فاقتلعت الأشجار ؛ وفى اليوم الثالث حمراء ، فدمّرت كلّ شئ مرّت عليه ؛ فلم يزل يجرى في كلّ يوم لون والنساء ينظرن إلى فعلها بقومهنّ ، فجعلن يقلن شعرا : ألا قد ذهب الدّه ر بعمرو ذي العليّات وبالحارث والقمقا م طلَّاع الثّنيّات ومن سدّ مهب الري ح في وقت البليّات واستمرت الريح * ( سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) * ، أي دائمة ؛ فلما كان في اليوم الثامن اصطفّت القوم صفوفا ، كلّ واحد إلى جنب أخيه ، وهم عشرة صفوف ؛ فجعل ملكهم الخلجان يشجّعهم ويقول :